فخر الدين الرازي
242
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثانية : في قوله : إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ دقيقة وهي أن هذه اللام لام الغرض ، فلا يمكن حمله على ظاهره لأن كل من فعل فعلا لغرض فهو ناقص لذاته مستكمل بذلك الغرض ، فلو فعل اللّه فعلا لكان ناقصا لذاته مستكملا بالغير وهو محال ، لأن ذلك الغرض إن كان قديما / لزم من قدمه قدم الفعل ، وإن كان محدثا افتقر إلى غرض آخر فلزم التسلسل وهو محال ولأنه إن عجز عن تحصيل ذلك الغرض إلا بتلك الواسطة فهو عاجز ، وإن كان قادرا عليه كان توسيط تلك الواسطة عبثا ، فثبت أنه لا يمكن حمله على ظاهره فلا بد فيه من التأويل . ثم قال الفراء : العرب تجعل اللام في موضع أن في الأمر والإرادة كثيرا ، من ذلك قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [ النساء : 26 ] يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا [ الصف : 8 ] وقال في الأمر : وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ [ الأنعام : 71 ] وهي في قراءة عبد اللّه : وما أمروا إلا أن يعبدوا اللّه فثبت أن المراد : وما أمروا إلا أن يعبدوا اللّه مخلصين له الدين والإخلاص عبارة عن النية الخالصة ، والنية الخالصة لما كانت معتبرة كانت النية معتبرة ، فقد دلت الآية على أن كل مأمور به فلا بد وأن يكون منويا ، ثم قالت الشافعية : الوضوء مأمور به في قوله تعالى : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [ المائدة : 6 ] ودلت هذه الآية على أن كل مأمور يجب أن يكون منويا ، فيلزم من مجموع الآيتين وجوب كون الوضوء منويا ، وأما المعتزلة فإنهم يوجبون تعليل أفعال اللّه وأحكامه بالأغراض ، لا جرم أجروا الآية على ظاهرها فقالوا معنى الآية : وما أمروا بشيء إلا لأجل أن يعبدوا اللّه ، والاستدلال على هذا القول أيضا قوي ، لأن التقدير وما أمروا بشيء إلا ليعبدوا اللّه مخلصين له الدين في ذلك الشيء ، وهذا أيضا يقتضي اعتبار النية في جميع المأمورات . فإن قيل : النظر في معرفة اللّه مأمور به ويستحيل اعتبار النية فيه لأن النية لا يمكن اعتبارها إلا بعد المعرفة ، فما كان قبل المعرفة لا يمكن اعتبار النية فيه . قلنا : هب أنه خص عموم الآية في هذه الصورة بحكم الدليل العقلي الذي ذكرتم فيبقى في الباقي حجة . المسألة الثالثة : قوله : أُمِرُوا مذكور بلفظ ما لم يسم فاعله وهو : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [ البقرة : 183 ] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ [ البقرة : 178 ] قالوا : فيه وجوه أحدها : كأنه تعالى يقول العبادة شاقة ولا أريد مشقتك إرادة أصلية بل إرادتي لعبادتك كإرادة الوالدة لحجامتك ، ولهذا لما آل الأمر إلى الرحمة قال : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [ الأنعام : 54 ] ، كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [ المجادلة : 22 ] وذكر في الواقعات إذا أراد الأب من ابنه عملا يقول له أولا : ينبغي أن تفعل هذا ولا يأمره صريحا ، لأنه ربما يرد عليه فتعظم جنايته ، فههنا أيضا لم يصرح بالأمر لتخف جناية الراد وثانيها : أنا على القول بالحسن والقبح العقليين ، نقول : كأنه تعالى يقول : لست أنا الآمر للعبادة فقط ، بل عقلك أيضا يأمرك لأن النهاية في التعظيم لمن أوصل إليك [ أن ] نهاية الإنعام واجبة في العقول . المسألة الرابعة : اللام في قوله : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ تدل على مذهب أهل السنة حيث قالوا : العبادة ما وجبت لكونها مفضية إلى ثواب الجنة ، أو إلى البعد عن عقاب النار ، بل لأجل أنك عبد وهو رب ، فلو لم يحصل في الدين ثواب ولا عقاب البتة ، ثم أمرك بالعبادة وجبت لمحض العبودية ، وفيها أيضا إشارة إلى أنه من عبد اللّه للثواب والعقاب ، فالمعبود في الحقيقة هو الثواب والعقاب ، والحق واسطة ، ونعم ما قيل : من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني « 1 » / ومن آثر العرفان لا للعرفان ، بل للمعروف ، فقد خاض لجة الوصول .
--> ( 1 ) قوله بالثاني لا معنى له ، ولعلها مصحفة عن الفاني .